28 مايو 2011

تقديم الأستاذ غسان الشهابي لرواية "نساء المتعة"

غسان الشهابي/ الملتقى الأهلي الثقافي
في السنوات القليلة الماضية، انكشفت أمام الكاتبات العربيات عموماً والخليجيات خصوصاً، قنوات جديدة، وسلالم سريعة التوصيل للشهرة، ربما مدفوعات أو مفتونات بتجربة أحلام مستغانمي الروائية.
توصلت إلى قناعة لا أنكر أن فيها غير قليل من التجني، تقول: إن أردت الشهر كن روائياً خليجياً، والأفضل أن تكون سعودياً، أما إن أردت البروز فمن الأفضل أن تكون الراوية امرأة، واكتبي في خصوصيات المرأة.. والمرأة الخليجية.. والمشاعر الجوانية للمرأة.. والجنس.. ورفض الأعراف والتقاليد؟؟ وليس إلا قليلاً وأضواء الشهرة تسلط عليكِ.
ظننت أنني متجنٍّ وحامل على هذا النوع من الأدب الذي ظننا قبل سنوات أن محمد شكري يجلس على سنامه، إلا أن ما طرأ بعد ذلك من إصدارات روائية جعلت شكري محافظاً جداً قياساً إليها، وليس من داع لسرد عناوين الروايات.. وقد صدّقت الكاتبة اللبنانية ماري القصيفي في مقال لها ورد الأسبوع الماضي في صحيفة "البلاد" البحرينية [....] تقول فيه إن ثنائية الجنس والدين هي ما بات مسيطراً على الإنتاج الروائي العربي، حتى ليظن القارئ أن آلة نسخ عملاقة قد تنسخ كتاباً واحداً ولكن بعدة عناوين.
ما علاقة هذا بنساء المتعة، روايتنا التي ندشنها الليلة.؟؟
عندما تسلمت شاكراً إهداء الزميلة منيرة سوار، وقرأت العنوان، أشفقت عليها من الانزلاق في هذا الأنبوب المنحدر الذي يصعب الخروج منه إلا عندما يقذفك في طرفه الثاني الذي لا تدري إلى أين يقودك فنياً.
كلمتان يتألف منهما العنوان كفيلتان بإلهاب كل المعاني التي تستلزم الانسياق وراء ما كنا نرقبه: نساء.. ومتعة.. أي ذهاب أكثر صراحة من هذا في شأن القراءة القصصية؟
إلا أن الدخول إلى الرواية وعوالمها أمر مختلف إلى حد كبير عما يحمله العنوان من موحيات.
كثير من الأمور تؤدي الدور المباشر للذهاب سريعاً في قراءة أي عمل روائي قراءة متلهفة، ملتهمة الرواية، أم القراءة الكسولة التي بالكاد تكمل صفحات معدودات في جلسة القراءة الواحدة.. في "نساء المتعة" المؤلفة من 200 صفحة بالتمام، من قطعA5 لم يستغرقني الأمر أكثر من ثلاث جلسات لأنتهي منها.
الأمر يعود إلى معرفتي الشخصية، ولأقل السطحية بمؤلفة الرواية.
الأمر الآخر يعود إلى الحيز الجغرافي لحركة الشخوص. فهو حيز أليف ويمكن الذهاب معه بالمخيلة، وإن كانت الجغرافيا ليست حاضرة بقوة أيضاً في الرواية.
والأمر الثالث رغبة معرفة عالم شبه سري، وشبه مغلق متمثل في النساء اللاتي يدخلن إلى عالم المتعة.. ما المشاعر التي تتداخل وتمتزج في امرأة تقع في عمق هذه التجربة.
الرواية تتحدث عن أربع صديقات:
مهدية: وهي سيدة متزوجة وعقلانية وذات إيقاع حياة أقرب للمثالية.
سهير: متزوجة أيضاً، ولكنها لا تجد غضاضة في أن تجدد ثقتها بنفسها وتجرب سحر أنوثتها على الآخرين.
زهراء: مطلقة وقد عانت الأمرين من طليقها، وفجأة من حيث لا تدري تقع في الحب.
وأخيراً
أمل: عزباء لا تزال، منطوية بعض الشيء.. مكبوتة من أخوتها.. مقهورة اجتماعياً.. فتجد المتنفس الوحيد في حب يلوح لها على الإنترنت.
يظهر الرجل في النماذج النسوية الثلاث قاهراً ومسيطراً وذا سطوة عالية بالغة على الشخصيات الأربع التي وضعتهن الكاتبة في وعاء واحد بمشارب مختلفة.. إنه اجتماع الحالة النسوية المتفرقة في حلقة محكمة من الرفيقات تختصر شرائح متعددة من المجتمع الأنثوي بهواجسه المختلفة.
الشخصيات النسائية الأربع يظهرن صنيعة الرجال فيهن، فمهدية تحظى بزوج متدين مثلها ولكن طاقته الجنسية الفوارة تدفعه إلى البحث عن زواج المتعة لأنه لا يطيق ارتكاب الحرام.
ورعونة عادل وفتحه بيتاً آخر لصديقته التي غدت زوجة له فيما بعد وإهماله بيته، دفع سهير لأن تتبرج وتكشف من جسمها ما لم تكن لتكشفه في العادة حتى توقع موظف البنك في حبائلها، وتبدو غير واثقة من المضي في هذا المشروع الذي بدأ يدفع الدم في وجنتيها من جديد.. أم لا.
وفي حالة زهراء، التي لم تذق من زوجها علي إلا الضرب والإهانة وأقسى أنواع المعاملة، فإنها نجحت في الطلاق منه، وعاشت في الشقة المقابلة لمهدية، إذ أنها أخت زوجها صادق.. واكتفت من الرجال بنصيبها الوحشي الذي عرفته. ولكن الحب عاد ليصحو من جديد إثر تعرفها على زميل دراسة، وتبدأ مرحلة جديدة في العلاقة السرية.
أما أمل، العزباء، فكان أخوها حارسها وسجانها وسالب إرادتها وقاهرها، فهرب منه ومن العالم الواقع إلى العالم الافتراضي، وصارت حبيسة المنتديات إلى أن تعرفت على محمد، وبدأ يدور بينهما حوار بدأ فلسفياً لينتهي برغبته في التقدم إليها، ولكن التباعد المذهبي سينتصب بينهما وأمامهما مشوار ليقطعاه في سبيل حبهما.
الملاحظ أن الرواية اليوم باتت شكلاً مفضلاً على الكثير من أساليب وأشكال التعاطي الإبداعي الكتابي، فلا الشعر له عدد يقارب عدد منتجي الروايات، ولا المسرحيات، ولا كذلك فنون القصة القصيرة والأقصوصة وغيرها من الفنون.
والملاحظ أيضاً على رواية "نساء المتعة" تقدم الجانب السردي الذي تميزت فيه الكاتب منيرة سوار على الجانب الحواري. لم تستسلم منيرة للنماذج الذكورية في السرد، بل كان نَفَس المرأة هو الأكثر ظهوراً، حتى لو حاول بعض الروائيين الرجال أن يتلبسوا ثوب المرأة في رواياتهم.
ومع ذلك، فلقد كان أكثر الحوارات قوة وحيوية وندية هو ذاك الذي يدور بين مهدية وزوجها صادق في شأن نهمه الجنسي وتساوق المبررات والحجج من الطرفين.. هنا استنفرت الكاتبة جلّ معارفها وقدرة عالية على أن تتقافز بين ضفة الزوجة وضفة الزوج بالخفة نفسها والقدرة نفسها على إيلاء الطرفين حقهما في عرض المبررات.
في تجربة كهذه تتعلق بالرواية وامتداداتها وتشعب قصص الداخلين فيها، وحداثة التجربة أيضاً، تبدو بعض الشخصيات أكثر إغراء بالقراءة من الأخرى.. بعض الشخصيات أكثر بروزا وحيوية من الأخرى، وتشعر بالبصمات في تشكيل عجين كل شخصية على حدة أيضاً.
ليس هنا مجال تقييم نساء المتعة من الجانب الفني والنقدي، فليس هذا هو وقت التقييم، ولستُ أنا المختص والقمين بهذا الدور، إلا أنني عندما قرأت النص.. قرأته بمحبة لا بقصد النقد..
وأستطيع القول بكل ثقة أن البحرين كسبت كاتبة روائية لاشك ستحتاج تجربتها إلى التنضيج لكي تخط لوحدها خطاً أقرب ما يكون لما تريد قوله... ولكن يمكن لمنيرة سوار أن تشكل صوتاً جميلاً في جوقة الروائيين البحرينيين إن عمل بكد متواصل على تخليق تجربتها الشخصية.. هناك الكثير من الجوانيات في المجتمع البحريني التي ستحتاج إلى قدر من الاقتراب في قوالب جميلة لتقدمه إلى القارئ.. فالمسألة النسوية ليست جديدة على الساحة، بل صارت كما يقال "حمار الكاتبات"، بل والكتاب أيضاً، لما تفتعله مجتمعاتنا من إحاطة هذا المجتمع بالكثير من السرية، وبالتالي فإن فض المغاليق سيكون أمراً جذاباً وباعثاً على الفضول، ما دام الإنسان كائن فضولي.

0 التعليقات:

إرسال تعليق