25 مارس 2012

«نساء المتعة» لمنيرة سوار... «التاريخ على طاولة الاتهام»

عبدالعزيز الموسوي/ جريدة الوسط
تأخذك هذه الرواية إلى مناطق مأهولة بالأسئلة، لن تجد إجابات كما لن تجد نهاية للطريق الذي تسلكه مأخوذاً بالبحث عن نهاية للحكايات المتعددة لنساء يجمعهنّ خيط رقيق من الصحبة، على رغم اختلاف طباعهنّ ومذاهبهنّ، أمل وسهير، مهدية وزهراء سيمثّلنّ مجتمعاً بحرينياً تطفح فيه الكائنات التي لا تُرى بالعين المجردة - لأننا نجمّل كل شيء يسيء لصورتنا - ولكنها تقضم بشره في هذا الجسد النحيل أصلاً ، لن تجد شيئاً غريباً إن كنت بحرينياً لكنك حتماً ستقف مشدوهاً لأنك تسمعه بكل هذه الجرأة.
«نساء المتعة» هي الرواية الأولى للروائية البحرينية منيرة سوار والصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون العام 2008. في هذه المحاولة لزحزحة القناعات سواء بالتقاليد والأعراف البالية أو بتسويق الدّين بالأهواء والمطامع الشخصية، تأمل منيرة - كما جاء في الإهداء- أن تنجح في جعل المتقوقعين على ذواتهم واعتقاداتهم وطوائفهم بالاستماع إلى الآخر الذي ربما يمتلك الحقيقة: «إلى كل قارئ ... يرفض أن يبارح ضفته، لاعتقاده بأنه يسكن الفردوس. أتمنى أن تلهمه أحداث هذه الرواية لبناء جسر يعبر به إلى الضفة الأخرى، علّه يكتشف وجود فردوس آخر لا يقل جمالاً عن فردوسه». هي محاولة لاستثارة الأسئلة في موضوعات شائكة تخص مجتمعاً محدداً يرث الكثير من الأمراض ويداري وجعه بابتسامات مفتعلة.
الأحداث تدور ضمن صحبة من النساء المأزومات يتشابكن ويتقاطعن في أمور ويتعادلن في مواضع الألم والخيبة.
سهير... هذه الأنثى بكل ما تثيره من غنج ودلال وجسد يثير الرغبة بعنف لكثرة ما دسّ فيه من غواية وفتنة، متزوجة من عادل صاحب المكانة المرموقة والوضع الاقتصادي الباذخ، لم يبخل عليها ولا على بناته روان وسوسن وأسامة، لكن بطريقة ما يصل الفتور في حياتهما معاً وتدب الخلافات والشجارات لأتفه الأسباب..» هكذا كان مجرى الأمور بينهما.. دائماً ضد تيار العلاقات الزوجية الصحيحة!.فلا حوار ولا قدرة على التعاطي أو التفاهم، كما هو المفترض بين كل زوجين. ولا مشاعر أو حميمية تربطهما مثل أي حبيبين..»صـ59ــ في ظل هذه الأجواء يجد عادل فرصته في الزواج من «دلال» الموظفة الجديدة التي تبهره بغنجها وجسدها الفاتن ولأنه متزوج ولأنها مطلقة يتفقان على الزواج بالسر فيؤثثان لهما شقة يلتقيان فيها وقت ومتى ما سنحت الظروف. بدورها تتعرف سهير على «خالد» الشاب الذي يصغرها سناً الذي تلتقي به في أحد البنوك وتتطور علاقتهما هاتفياً، تكتشف هذه العلاقة ابنة سهير «سوسن» فتصاب بصدمة تمرض على أثرها، هذا اللهاث الجنسي من قبل الزوجين «عادل وسهير» يخلق بعداً آخر بين الأبناء التي تكتشف الأم أن ابنها «أسامة» يتحرش جنسياً بـ أخته الصغرى «روان». تظل الحكاية مبتورة فلا سهير تعرف أن ابنتها كشفتها ولا عادل يستطيع التخلص من ورطته الثانية «دلال» في حين قطعت سهير علاقتها بخالد بعد صحوة ضمير جاء في الوقت المناسب.
مهدية.. متزوجة من صادق شقيق صديقتها زهراء، مهدية هي الأنثى الأكثر تماسكاً وعصمة من بين صديقاتها لأنها لم تدع نفسها عرضة لأهوائها، على رغم الأذى الذي لحق بها، بدءاً من اكتشافها مشاهدة زوجها للأفلام الإباحية، إضافة لنقل صادق المرض الجنسي المعدي الذي اكتسبه الآخر من خلال إدمانه على زواج المتعة من كل الجنسيات والأعراق، لهذا الحد كانت مهدية تسامح رغبة منها في عدم هدم بيتها وخوفاً على أطفالها «زينب وجعفر» لكن الأمر يتطور حين يكتشف زوجها صادق أن «لمياء» إحدى اللاتي تزوجهن بالمتعة حُبلى بطفل منه وتطالبه بالزواج والاعتراف بأبوته هنا تظهر المفارقة؛ حيث يشتم صادق لمياء ويصفها بالعاهرة ويطالبها بإسقاط الجنين».
تتطور الأمور حينما تذهب لمياء وتخبر مهدية عن حكاية حملها من زوجها صادق فتقرر مهدية الذهاب لبيت أبيها، بعد أن تفضح سر صديقتها زهراء لشقيقها صادق في ردة فعل يائسة، إلى هنا أيضاً تتوقف الحكاية دون أن نستشف بقية الأحداث.
زهراء..شقيقة صادق تلجأ إلى الطلاق من زوجها «علي» حين تصل إلى مرحلة يصعب عليها تحّمل المزيد من الضرب والتجريح والشك المستمر، تحصل على الطلاق وحق الاحتضان لابنتها منار بشرط ألاّ تتزوج ومتى ما ارتبطت يحق للأب المطالبة بابنته وحرمان أمها منها، زهراء توافق على هذا الشرط تحت وطء الحالة النفسية السيئة التي كانت تعيشها مع زوجها، تكرّس كل حياتها لابنتها منار وتعيش على هذا الأمر إلى أن تنتقل إلى الجامعة بهدف الدراسة فينبض قلبها من جديد لزميلها علي أيضاً ولكن مع الفارق بين العليين كما تقول، تتوطد العلاقة بينهما وتبدأ الرغبة بالإلحاح لتذوب زهراء وعلي في قبلة حامية ترسم بعدها ملامح لارتباطهما: « على رغم إحساسها بالذنب والخطيئة، كانت نشوتها بالحب هي الغالبة على مشاعرهما.لم تكن مقابلتهما في سيارتها في تلك الليلة التي شهد فيها القمر على حبهما سبباً لابتعادهما عن بعضهما بل - للمفارقة - كانت بمثابة الاستئذان للنهل من ينبوع الحب كلما واتتهما الفرصة! على رغم التزامهما معاً دينياً وأخلاقياً، إلا أن رغبة كل منهما في الآخر، وإحساسهما باستحالة تحقيق هذه الرغبة بشكلها الشرعي، ساهمت بشكل كبير في تحطيم صلابة علي، وسهولة اختراق حصون زهراء»صـ150ـــ وبسبب رغبة الاثنين بالارتباط والابتعاد عن الخطيئة وفي الوقت ذاته خوف زهراء بحرمانها من طفلتها في حال ارتبطت تقرر أن تتزوج عرفياً، وبالفعل تم الزواج إلا أن اكتشاف مهدية لسرّ زهراء تسبب في افتضاح الأمر بعد أن أخبرت شقيقها صادق بزواج أخته عرفياً فما كان من الآخر إلا ضربها، فتقرر المواجهة على أكثر من صعيد يساندها زوجها «علي» لتحقيق ذلك. إلى هنا تتوقف الأحداث.
أمل.. هي العزباء الوحيدة في هذه الصحبة، وأمر تأخرها في الزواج جعلها تحاول الخروج من الدائرة الضيقة التي تسجن نفسها فيها بحراسة الأهل: «نعم لقد بكت كثيراً حينما ألزمها والدها بارتداء الحجاب وهي لم تتعدَ بعد الرابعة عشرة ربيعاً، فقد كانت ترى فيه طوقاً يخنقها بأكثر مما يفعل صيف البحرين المشبع بالرطوبة..» صـ79ـ ولكنها تحاول الخروج من هذه العزلة بدءاً من الحيّ الذي يحسب كل سكناتها وحركاتها أملاً في إيجاد شريك الحياة فتقرر ترك وظيفتها في التدريس والعمل في شركة خاصة جبناً إلى جنب مع الرجال على أمل الظفر برجل، لكن هذا الأمل يتأخر كثيراً فتجد لها منفذاً من خلال الشاشة الكرستالية عبر شبكة الانترنت، فتتعرف على «محمد البحريني» وتستمر مراسلتهما وتتطور علاقتهما وترسم أمل من خلالها أحلاماً وردية إلا أن تكتشف أن محمد البحريني من الطائفة الشيعية فتصاب بخيبة وصدمة كبيرة لتصل الروائية في خاتمة الرواية لـ استنتاج : «إن أمل ليست برافضة لمذهب محمد، ولا هو يناصبها العداء! .بل هو التاريخ الذي زرع قنابله الموقوتة في كل أرض عربية!.والتاريخ هو الذي ملأ الأمصال بدم الضحايا من الطائفتين، ليحقنها في أوردة القادم من الأجيال! والتاريخ هو الذي يأبى النسيان والغفران! والتاريخ هو الذي اختلطت أوراقه منذ قرون مضت، في حين لانزال نحن في إصرار مستميت على قراءته مبعثراً؟!
أما الحقيقة
فهي أن أمل ومحمد قد التقيا ..وتآلفا..وتفاهما على الأرض الكريستالية التي عكست وجهيهما الحقيقيين دون أن يطل التاريخ عليهما بوجهه القبيح المشوه ليعكر صفاء - الأرض الكرستالية - ونقائها الذي فطرها الله عليها.»صـ200ـ
بهذه الخاتمة الخطابية والوعظية والملقية بظلال كل شيء على التاريخ وليس بمن يصنعه، تنهي منيرة سوار من «نساء المتعة» هذا العنوان البعيد عن الهم الحقيقي لكل القضايا المطروحة والقريب مما يريد القارئ العربي من إثارة لأخيلة في أتون الجنس والمتعة، هذه التجربة لاشك بها الكثير من الإضاءات التي تشي بموهبة جميلة يصقلها الاستمرار، ما أود التنبيه عليه في هذا العمل هو تداخل الأصوات كون الكاتبة قد اتخذت من «الراوي العليم «أداة سردية وجب عليها الانتباه للحيادية وعدم الميل والتماهي أو التعاطف مع شخصيات الرواية. هذه الرواية وغيرها من الروايات المختصة بالشأن المحلي ستكون مرجعاً جيداً لاستخلاص الكثير من الدراسات لظواهر حيّة يؤمن بوجودها كثيرون، على رغم محاولة موارتها أو وأدها على استحياء مثل الطائفية و البطالة والأعراف والتقاليد في مجتمعات ذكورية يقابلها تمرد أنثوي. صدرت مؤخراً رواية جديدة للروائية تحت عنوان «حسين المسنجر» نتمنى أن تكون نقلة نوعية إلى الأمام وتثبيت الاتجاه في كتابة الرواية.

3 التعليقات:

غير معرف يقول...

It's wonderful that you are getting thoughts from this post as well as from our discussion made here.
Here is my web blog woodworkingbooks.org

karim danox يقول...

مجهود جيد .. ومدنة رائعة ...
اود ان اقترح عليك بعض المدونات واتمنى فعلا ان تعجبك :)

اطول
اسد
الرياضة
Portal Blogs Nasser
خبير بلوجر
المدونين العرب
مدونة المطور ناصر
دروس

تقبل وددي واحترامي :)

منيرة سوار يقول...

شاكرة لك مرورك ورأيك في مدونتي أخي الفاضل كريم..

إرسال تعليق